القرطبي
127
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
التاسعة - في هذه الآية دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة وتناولها ، ولا يقال : إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده ، لكن إذا كان من وجهه ومن غير سرف ولا إكثار . وقد تقدم هذا المعنى في " المائدة ( 1 ) " وغيرها . وفى الصحيح عن أنس قال : لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي هذا الشراب كله : العسل والنبيذ واللبن والماء . وقد كره بعض القراء أكل الفالوذج ( 2 ) واللبن من الطعام ، وأباحه عامة العلماء . وروى عن الحسن أنه كان على مائدة ومعه مالك بن دينار ، فأتى بفالوذج فامتنع عن أكله ، فقال له الحسن : كل ! فإن عليك في الماء البارد أكثر من هذا . العاشرة - روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ، وإذا سقى لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شئ يجزى عن الطعام والشراب إلا اللبن " . قال علماؤنا : فكيف لا يكون ذلك وهو أول ما يغتذى به الانسان وتنمى به الجثث والأبدان ، فهو قوت خلى عن المفاسد به قوام الأجسام ، وقد جعله الله تعالى علامة لجبريل على هداية هذه الأمة التي هي خير الأمم أمة ، فقال في الصحيح : " فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال لي جبريل اخترت الفطرة أما إنك لو اخترت الخمر غوت أمتك ) . ثم إن في الدعاء بالزيادة منه علامة الخصب وظهور الخيرات [ وكثرة ( 4 ) ] والبركات ، فهو مبارك كله . قوله تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ( 67 ) الأولى - قوله تعالى : " ومن ثمرات النخيل " قال الطبري : التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون ، فحذف " ما " ودل على حذفه قوله : " منه " . وقيل :
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 260 وما بعدها ، وج 7 ص 191 . ( 2 ) الفالوذج : حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل . ( عن الألفاظ الفارسية المعربة ) . ( 3 ) غوت : ضلت وفسدت . ( 4 ) من ج .